الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
269
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اختصت بها قصور سليمان في ذلك الزمان لم تكن معروفة في اليمن على ما بلغته من حضارة وعظمة بناء . وقرأ قنبل عن ابن كثير عَنْ ساقَيْها بهمزة ساكنة بعد السين عوضا عن الألف على لغة من يهمز حرف المدّ إذا وقع وسط الكلمة . ومنه قول جرير : لحب المؤقدان إليّ مؤسى * وجعدة إذ أضاءهما الوقود فهمز المؤقدان ومؤسى . وكشف ساقيها كان من أجل أنها شمرت ثيابها كراهية ابتلالها بما حسبته ماء . فالكشف عن ساقيها يجوز أن يكون بخلع خفيها أو نعليها ، ويجوز أن يكون بتشمير ثوبها . وقد قيل : إنها كانت لا تلبس الخفّين . والممرّد : المملس . والقوارير : جمع قارورة وهي اسم لإناء من الزجاج كانوا يجعلونه للخمر ليظهر للرائي ما قرّ في قعر الإناء من تفث الخمر فيظهر المقدار الصافي منها . فسمى ذلك الإناء قارورة لأنه يظهر منه ما يقرّ في قعره ، وجمعت على قوارير ، ثم أطلق هذا الجمع على الطين الذي تتخذ منه القارورة وهو الزجاج ، فالقوارير من أسماء الزجاج ، قال بشار : ارفق بعمرو إذا حركت نسبته * فإنه عربي من قوارير يريد أن نسبته في العرب ضعيفة إذا حرّكت تكسرت . وقد تقدم ذكر الزجاج عند قوله تعالى : الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ في سورة النور [ 35 ] . قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . بهرها ما رأت من آيات علمت منها أن سليمان صادق فيما دعاها إليه وأنه مؤيّد من اللّه تعالى ، وعلمت أن دينها ودين قومها باطل فاعترفت بأنها ظلمت نفسها في اتباع الضلال بعبادة الشمس . وهذا درجة أولى في الاعتقاد وهو درجة التخلية ، ثم صعدت إلى الدرجة التي فوقها وهي درجة التحلّي بالإيمان الحق فقالت : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فاعترفت بأن اللّه هو رب جميع الموجودات ، وهذا مقام التوحيد . وفي قولها : مَعَ سُلَيْمانَ إيمان بالدين الذي تقلده سليمان وهو دين اليهودية ، وقد أرادت جمع معاني الدين في هذه الكلمة ليكون تفصيلها فيما تتلقاه من سليمان من الشرائع والأحكام .